عبد الوهاب الشعراني
102
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
بهذا العهد من شيخ يسلك به حتى يخرجه من حضرات الاتهام ويدخله حضرات اليقين ، فيعرف إذ ذاك أن ما قسمه اللّه تعالى للعبد لا يمكن أن يفوته وما لم يقسمه له لا يتبعه نفسه ا ه . ومن هذا الباب أيضا الأقدار الجارية على العبد فإنها لا تخلو عن كون ذلك الأمر الذي دافع العبد الأقدار في عدم وقوعه مقدرا أو غير مقدر ، فإن كان مقدرا فلا فائدة في المدافعة إلا تعظيم انتهاك محارم اللّه تعالى لا غير ، وقد كلف اللّه تعالى العبد بذلك وجعل له الثواب فيه سواء كان مقدرا أو غير مقدر ، حتى أنه لو كشف له أن اللّه تعالى كتب عليه الزنا أو شرب الخمر لا يجوز له المبادرة إلى ذلك ، لأنها مبادرة إلى ما يسخط اللّه عز وجل ، فيجب عليه الصبر حتى يقع ذلك في حالة غفلة أو سهو كما أشار إليه خبر : « إذا أراد اللّه تعالى إنفاذ قضائه وقدره سلب من ذوي العقول عقولهم » . يعني عقولهم الحافظة عن الوقوع لا عقول التكليف فافهم ، لئلا يؤدي إلى إبطال الحدود كلها ، فتأمل في هذا المحل واعمل به . وقد كان أخي الشيخ عبد القادر رحمه اللّه تعالى على هذا القدم فأرسلت مرة أن يجعل على مقتأة البطيخ حارسا حتى يحضر له بالمركب يوسقه ، فأرسل يقول لي المؤمن لا يحتاج إلى مثل ذلك ، فإن ما قسمه اللّه تعالى لأهل الريف أن يأكلوه لا يقدر أحد يحمل منه إلى مصر بطيخة واحدة ، وما قسمه اللّه تعالى لأهل مصر لا يقدر أحد من أهل الريف أن يأكل منه بطيخة واحدة ، ومن كان إيمانه كذلك فلا يحتاج إلى حارس ا ه . هذا في ملك الإنسان نفسه أما مال الغير فيجب على الحارس حفظه وإن لم يحرسه أثم ولم يستحق أجرة فافهم واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان واللفظ للبخاري مرفوعا : « اليد العليا خير من اليد السّفلى ، ومن يستعفف يعفّه اللّه ومن يستغن يغنه اللّه » . قال الخطابي وقد اختلف الناس في المراد باليد العليا ، فقال بعضهم هي المنفقة والأشبه أن يكون المراد بها المتعففة لأنها أوضح من حيث المعنى واللّه تعالى أعلم . وروى البزار مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى يحبّ الغنيّ المتصدّق والفقير المتعفّف » . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « أوّل ثلاثة يدخلون الجنّة : الشّهيد ، وعبد مملوك أحسن عبادة ربّه ونصح لسيّده ، وعفيف متعفّف ذو عيال » . وروى الطبراني مرفوعا : « ومن يقنع يقنعه اللّه » . وفي رواية له مرفوعا : « عزّ المؤمن استغناؤه عن النّاس » . وروى الشيخان مرفوعا : « ليس الغنى عن كثرة العرض وإنّما الغنى غنى النّفس » . والعرض كل ما يقتنى من المال وغيره .